مقدمة
لا زالت ألطاف المولى عز وجل وعنايته بهذه الأمة متواصلة، كرامة لحبيبه صلى الله عليه وسلم، وقد خصها بين الأمم بأن جعل لها مجددين يجددون لها أمر دينها فقال من لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى:
إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها.
ومن هؤلاء المجددين سيدنا أبو الفيض محمد بن الشيخ عبد الكبير الكتاني قدس الله سره، فإنه كان آية من آيات الله ومعجزة لجده صلى الله عليه وآله وسلم توفى سنة 1327ه الموافق 1909م وقد عاش 37 سنة هجرية مباركة الأنفاس واللحظات، وها نحن اليوم نحاول الإقتباس من نوره والإيناس من سره، علنا نحسب عليه غدا يوم القيامة ونكون معه بجوار جده صلى الله عليه وآله وسلم فقد قال:
المَرْءُ مع مَن أحَبَّ
ويتجلى جليا لمن أمعن النظر في الطرق الصوفية، أن كل طريقة اختصت بمزايا وأذكار فتح بها على شيخ تلك الطريقة، وشأن الطريقة الكتانية ليس مختلفا عنها، فامتزت بالصلاة الأنموذجية، والتي فيها من التغزلات والكمالات المحمدية ما يعجز عن الإتيان بمثله، وسبحان الله ممد من شاء بما شاء، في هذه المقالات لا نتعرض لشرحها إذ شرحها مبسوط في الكتب لمن أراد الإستزادة وإنما نقتطف من رياضها أزهارا ننتشق منها رائحة تخرجنا عن أنفسنا قليلا، وجل ما أنقله فمن كتاب الشيخ خبيئة الكون.
نص الصلاة
اللَّهُمَّ صلِّ على سيِّدنا ومَوْلانا أحمَد، الذِي جَعلْتَ اسْمهُ مُتّحِداً باسْمِكَ ونعْتِك، وصُورَةَ هَيْكلِهِ الِجسْماني على صُورَة أُنْمُوذُحِ حقِيقَةِ خَلقَ الله سيّدنا آدم على صورته، وفَجَّرْتَ عُنْصُرَ مَوْضوعِ مَادّةٍ مَحمُولهِ من آنية (أنا الله). بل حتَّى إذا جَاءَهُ لم يِجدْه شيْئاً ووجد الله عندَه وآلهِ وصحبه وسلَّم.
من فضائل الصلاة على مركز دائرة الأنوار ﷺ
تكفير الخطايا، ورفع الدرجات، وتزكية الأعمال، هي بعض من الأسرار التي تحيط بالصلاة على النبي ﷺ. ومن فضائلها: مغفرة الذنوب، واستغفار الملائكة لقائلها.
قال رسول الله ﷺ:
"من صلى عليّ كل يوم ثلاث مرات حُبًا أو تقربًا إليّ، كان حقًا على الله أن يغفر له ذنوبه تلك الليلة أو ذلك اليوم."
رواه ابن أبي حاتم في كتاب الصلاة
ومنها: أنها عبادة وأحبّ الأعمال إلى الله تعالى، ولذلك لم يرد في شيءٍ من التكاليف أن جزاءها مثل صلاة الله تعالى وملائكته على فاعلها، بل غاية ما يعد به عشر حسنات أو سبعمائة، والله يضاعف لمن يشاء.
وأمّا هذا الجزاء العظيم الوارد في فضل الصلاة على روح الصلاة وسرّ الأسرار، فلم يرد إلا في هذه العبادة العظيمة. ولهذا كان هذا التشريف المحمدي في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] أتمّ وأعظم من تشريف آدم بأمر الملائكة بالسجود له؛ لأنه لا يجوز أن يكون الله تعالى من الملائكة في ذلك التشريف، فتشريفٌ يصدر عنه أبلغ من تشريف تختصّ به الملائكة.
قلت: وبِه يُعلَم الجواب عمّا يقال إن كل كرامة ومعجزة أُعطيت لرئيس في العالم فلا بد أن تُعطي ظاهرًا للحقيقة المحمدية، وأين مثل سجود الملائكة عليهم السلام للحضرة المحمدية، وثبوته في المتواتر ممّا يثبت لأصل الشجرة الإنسانية؟
سجود الملائكة وصلاة الملائكة:
والجواب: إن صلاة الله تعالى وسلّم أعظم من ذلك التخصيص؛ لأنه لا يجوز أن يكون جلّ أمره مع الملائكة في ذلك التخصيص بخلاف هذا، على أن سجود الملائكة اقتضاه الحال إذ ذاك ولم يدم، وهذه الصلاة المأمورون بها عليه متواصلة بالدوام لا تنقطع، وأين ذاك من ذاك؟ واعتبر بآثار الحق جلّ ثناؤه التعبير بالفعل المضارع المؤذن بإفادة الاستمرار التجدد في قوله ﴿يُصَلُّونَ﴾ ويؤيّده بطريق أخفى من نسيم الأسحار أن الملائكة المقرّبين للحق سبحانه هذا المرموقون لذيذة الخصائص المعظّمة ربما ينسحب عليهم ذيل الاستثناء في قوله: ﴿ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ﴾ [النمل 87]، وإنما أفهمنا هذا جمعهم مع الله جل سلطانه في الواو، وهو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 56]، فافهم، فيؤيدُون بتأييد من جمعوا معه في الواو ولا بدع في أبديتهم فهذه الأمور المستثنيات كذلك.
ومن فوائد الصلاة على مولانا رسول الله ﷺ: أنها تقضي له بكل صلاةٍ مائة حاجة بل أكثر.
روى أبو موسى أحمد بن موسى الحافظ من حديث أبي سهل بن مالك عن جابر و رفعه: «مَن صلّى عليَّ مائة صلاة حين يصبح قبل أن يتكلم، قضى الله سبحانه له مائة حاجة، عجّل منها ثلاثين حاجة، وأخَّر له سبعين، وفي المغرب مثل ذلك.» ورواه ابن منده من طريق أبي بكر الهذلي عن محمد بن المنكدر عن جابر نحوه، وهو حديث حسن.
ومنها: إنها عبادة وأحبّ الأعمال إلى الله تعالى.
قال في العهود: واعلم يا أخي أن طريق الوصول إلى حضرة الله من طريق الصلاة على النبي ﷺ من أقرب الطرق، فمن لم يخدمه ﷺ الخدمة الخاصة به وطلب دخول حضرته فقد رام المحال، ولا يمكنه حجاب الحضرة أن يدخل، وذلك لجهله بالأدب مع الله تعالى، فحكمه حكم الفلاح إذا طلب الاجتماع بالسلطان بغير واسطة، فعليك يا أخي بالإكثار من الصلاة على سيدنا محمد ﷺ، ولو كنتَ سالماً من الخطايا، فإن غلام السلطان أو عبده إذا سكر لا يتعرّض له الولي أبدا، بخلاف من لم يكن غلاماً له، ويرى نفسه على خدام السلطان وعبيده وغيرهم، ولا يدخل من دائرة الوسائط؛ فإن جماعة الولي يضرّونه ويعاقبونه. وكذلك خدام النبي ﷺ لا يتعرّض لهم الزبانية يوم القيامة إكرامًا لرسول الله ﷺ، فإن لهم الاستناد الخاص، قد نفعت الحماية مع التقصير، وما لا تنفع كثرة الأعمال الصالحة مع عدم الاستناد لرسول الله ﷺ الاستناد الخاص. انتهى.
دعاء ختامي
سبحانك لا إله إلا أنت يا ذا الجلال والإكرام...
يا من أظهر الجميل وستر القبيح...
يا أرحم الراحمين، لا تخرجنا عن دوائر الألطاف، واقضِ حاجاتنا، واغفر ذنوبنا، وارزقنا دوام الصلاة على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
خلاصة المقال
هذا هو المقال الأول من سلسلة مقتطفات من كتاب خبيئة الكون للعارف بالله أبي الفيض، نستلهم فيها من أسرار الصلاة على النبي ﷺ، ونتأمل في آثارها الروحية في حياة المصلين عليه.
نسأل الله أن يجعل لنا نصيبًا من الأنوار، ويمدنا بالقبول والرضا، وأن يبارك لنا في هذه السلسلة القادمة.

مدونة شخصية! يقال شِعرُ الرجلِ قطعةٌ مِن كلامِه، وظنُّه قطعةٌ مِن علمِه، واختيارُه قطعةٌ مِن عقلِه، وهنا ستجد ذلك كله، وما أكتبه لنفسي، فأنا المتكلم والمخاطب على حد السواء، ولك بعد هذا حرية الأخذ والرد، والرضى ما وجدت أسباب الرضى، والسخط ما وجدت أسبابه، وأنت مشكور في الحالين جميعا!